free
hit counter
البحث العلمي بالجزائر بين الواقع والمأمول

البحث العلمي بالجزائر بين الواقع والمأمول

إن البحث العلمي لأي دولة من الدول هو رأس مالها الحقيقي وهو الذي يحدد قوتها ومكانتها بين الدول، والجزائر كغيرها من الدول تعي دور البحث العلمي وأهميته في فرض وجودها وتحديد مكانتها، ولا يمكن أن تتأسس دولة من غير بحث علمي حتى ولو كان ضئيلا، ونظرا لأهمية هذا الموضوع أردنا أن نستكتب هذه الورقة العلمية لمحاولة الإجابة عن عدة أسئلة، ولعلّ من أهمها ما يلي:

  • ما مفهوم البحث العلمي؟
  • وهل هناك بحث علمي بالجزائر منذ الاستقلال؟
  • وما هي النقائص التي تتعلق بالبحث العلمي بالجزائر إن وُجدت؟
  • وهل هناك غايات وآفاق وأهداف ينبغي للجزائر تحقيقها على نطاق البحث العلمي؟

أولا: مفهوم البحث العلمي

بدايةً لابد من ضبط مصطلح البحث العلمي ومفهومه، حيث أن هناك عدة تعاريف تختلف باختلاف الباحثين، حيث يعرفه أحدهم:” هو الاستخدام المنظم لعدد من الأساليب والإجراءات للحصول على حل أكثر كفاية لمشكلة ما، عما يمكننا الحصول عليه بطرق أخرى، وهو يفترض الوصول إلى نتائج ومعلومات أو علاقات جديدة لزيادة المعرفة للناس أو التحقق منها”(1)؛ فالبحث العلمي هو نشاط وإجراءات لحل المشاكل وسبر الأغوار المجهولة لهدف تجليتها وتقريبها للناس، حيث أن هناك علاقات بين مختلف الظواهر التي نعالجها ينبغي كشفها بانتظام لكي نتحكم في هذه الظواهر ونستغلها لغرض الإفادة ولحل المشاكل.

كما يتم تعريف البحث العلمي حسب باحثين أخر بأنّه:” يعني الفحص الدقيق والمنظم بهدف اكتشاف حقائق ومعلومات أو علاقات جديدة وتفسير هذه الحقائق والمعلومات…ونمو المعرفة الحالية والتحقق منها وكذلك تعديل القوانين أو النظريات القديمة في ضوء الحقائق والمعلومات الحديثة…البحث المستمر عن المعلومات والسعي وراء المعرفة باتباع أساليب علمية مقننة”(2)؛ فالبحث العلمي مبدأه هو الكشف والتحقق والتحري حول المعرفة ابتداءا من معارف سابقة، وكشف لعلاقات بين الظواهر ومحاولة تقنينها والتحكم فيها وهدف البحث هو الإتيان بالجديد من الأساليب والحقائق.

ثانيا: واقع البحث العلمي بالجزائر

لم يكن هناك بحث علمي حقيقي بالجزائر أثناء الاحتلال الفرنسي، ما عدا ما تقوم به السلطات الفرنسية، حيث:” لم يكن للجزائر بعد استقلالها ميدان بحث سوى تلك المعاهد والمراكز التي كانت تحت الهيمنة الفرنسية، كما كان عدد الأساتذة والباحثين والطلبة قليلا جدّا، ففي سنة 1963 لم تمنح جامعة الجزائر الوحيدة في ذلك الوقت سوى 93 شهادة تخرج، وتطلب خلال المرحلة الانتقالية إنشاء هيئة التعاون العلمي (Organisme de coopération scientifique) حيث تطرقت المعاهدات والاتفاقيات الجزائرية الفرنسية إلى مسألة البحث العلمي، وتم الاتفاق على أن أنشطة المعاهد ومراكز البحث تخضع دوريا للمراقبة، وتسير وفق تعليمات وتوجيهات عامة من طرف المجلس الأعلى للبحث العلمي”(3)؛ فقد استعانت السلطات الجزائرية بعد الاستقلال بالخبرة الفرنسية في البحث العلمي، بنية تكوين باحثين يحملون على عاتقهم تكوين باحثين جدد، فقد كانت الإمكانات في ذلك الوقت قليلة تحتاج إلى عقود حتى يتطور النشاط البحثي ويبعث إلى الحياة، فقد سجّلت الجزائر تأخّرا كبيرا مقارنة بنظائرها من الدول الأوروبية والغربية في ميدان البحث العلمي بعد الاستقلال مباشرة.

سنة 1973

أخذت الجزائر تحاول تطوير البحث العلمي وأساليبه، فــ” استطاعت الجزائر سنة 1973 من إنشاء المجلس الوطني للبحث، الذي تتمثل مهمته الأساسية في كونه هيئة تجمع بين الباحثين والجامعيين في كل الاختصاصات والقطاعات التي يعنيها البحث العلمي، وكان هذا الجهاز مدعما بالمنظمة الوطنية للبحث، التي كانت بمثابة الجهاز التنفيذي منظمة التعاون العلمي له، والتي أنشأت إثر المرسوم الوزاري في 01/02/ 1974 لكي تعوّض الجزائري الفرنسي-المنحلّة”(4)، أخذت الجزائر تحاول التنصّل من التبعية الفرنسية في مجال البحث العلمي فجمعت الباحثين لكي يتبادلوا وجهات النظر وتتكاثف الجهود، فتؤسس بذلك مرحلة البحث العلمي فيما بعد الاستقلال وتصدر قرارات حاسمة تنعش البحث العلمي وتجعله قوة وطاقة اجتماعية واقتصادية وسياسية بصناعة القرار العلمي والاعتماد على الإمكانات الخاصة.

سنة 1982

في سنة 1982 تبنت الدولة سياسة جديدة لتنمية قطاع البحث الحساس (الطاقة النووية، الطاقات المتجددة) وذلك بإنشاء مركز خاص بهذه المهمة تحت اسم (محافظة الطاقات المتجددة) وتضم تحت وصايتها كل من مركز العلوم والتقنيات النووية ومركز البحث في الطاقات المتجددة التابعان أصلا للمنظمة الوطنية للبحث العلمي، وتم في نفس هذه السنة حل هذه الأخيرة وتحويل ممتلكاتها ونشاطاتها إلى جهات أخرى(5)؛ وفي هذه المرحلة يظهر بأن الدولة الجزائرية صارت تسير نحو أفق بحثية أكثر حساسية بإيجاد بدائل عن البترول وإنتاج الطاقة، ومحاولة خلق إدارات تتناسب مع هذا النشاط الدقيق والمعقد.

سنة 1984

وفي سنة”… 1984 تم إنشاء محافظة البحث العلمي والتقني والتي حاولت ترتيب البرامج الوطنية ذات الأولوية، حيث تمثلت مهمتها العامة في المساهمة في السياسة الوطنية للبحث العلمي والتقني ودعم الاستقلال التكنولوجي، كما تضطلع المحافظة…”(6) بمهام أخرى. نلاحظ في هذه المرحلة من البحث العلمي بالجزائر بأن العمل ضمن هذا النطاق تشعب وأخذ وجهات ومناح عديدة وصارت الدولة تحاول توجيه البحث وتنظيمه وفق أهداف واضحة ومحددة.

سنة 1986

في سنة 1986 وعلى ضوء المعطيات الاجتماعية والاقتصادية الجديدة والارتفاع المتواصل في عدد الباحثين سواءا من خريجي الجامعات الجزائرية أو العائدين من الخارج بعد تكوينهم، تم إنشاء هيئة تحت وصاية رئاسة الجمهورية وهي المحافظة السامية للبحث (HCR) حيث جمعت هذه المحافظة بين مهام كل من محافظة الطاقات الجديدة، ومحافظة البحث العلمي والتقني المحلة… فإن هذه المحافظة وبالرغم من كل نقائصها فقد أدّت مهامها بصفة جيّدة، وبذلك تطور قطاع البحث وأصبح مكسبا لا نقاش فيه، فقد تبنّت خلال الفترة بين (1986 و 1989) 460 مشروع بحث بلغ فيها معدّل عدد الباحثين 2700 باحث…(6)؛ لقد صارت للجزائر في هذه المرحلة طاقات وإمكانات بشرية ومادية تدعم البحث العلمي، وصار هذا الأخير ينتج ويخرج المشاريع الناجحة إلى النور، بعدما كانت الجزائر تعاني من أزمة حقيقية في اليد المتخصصة وعدم امتلاك أبجديات البحث العلمي.

وإليكم الجدول التالي الذي يوضح تطور مؤسسات البحث العلمي في الجزائر منذ الاستقلال:(7)

الهيئةتاريخ الهيئةالجهة الوصيةتاريخ الحل
مجلس البحث1963جزائرية-فرنسية1968
هيئة التعاون العلمي1968جزائرية-فرنسية1971
المجلس المؤقت للبحث العلمي1971جزائرية1973
الديوان الوطني للبحث العلمي1973وزارة التعليم العالي1983
محافظة الطاقات المتجددة1982رئاسة الجمهورية1986
محافظة البحث العلمي والتقني1984الوزارة الأولى1986
المحافظة السامية للبحث1986رئاسة الجمهورية1990
الوزارة المنتدبة للبحث والتكنولوجيا1990الوزارة الأولى1991
الوزارة المنتدبة للبحث والتكنولوجيا والبيئة1991الوزارة الأولى1991
كتابة الدولة للبحث1991وزارة الجامعات1992
كتابة الدولة للتعليم العالي والبحث1992وزارة التربية1993
كتابة الدولة للجامعات والبحث1993وزارة التربية1994
وزارة التعليم العالي والبحث العلمي1994وزارة التعليم العالي1999
وزارة منتدبة للبحث العلمي1999وزارة التعليم العاليإلى اليوم
تفسير الجدول

من خلال الجدول يظهر أن البحث العلمي ارتبط في بداياته بالشراكة مع فرنسا، وابتداءًا من السبعينات انفصل البحث العلمي بالجزائر عن فرنسا ظاهريا، وأخذت السياسات تتوالى على البحث العلمي، ففي كل مرّة تظهر طريقة جديدة لتسير هذا القطاع الهام، وهو ملمح سلبي لأن التغييرات المستمرة على البحث العلمي تفقده الهرمية والانتقال العمودي في البناء والتطوير والتقدم.

متغيرات البحث العلمي

لقد قامت الدولة الجزائرية بعدة مجهودات لإيجاد أفضل بيئة ومجال للبحث العلمي، حيث جاء عن الباحث “لحرش موسى” نقلا عن الباحث “صالح فيلالي” أنّه:” ضمن هذا الإطار القانوني والهيكلي تحرك فعل البحث العلمي في الجزائر في طموح ليؤدي الدور المحوري المنتظر منه في المشروع التنموي للمجتمع ودفع ديناميكية التنمية العلمية والتقنية والاجتماعية والاقتصادية، وهذا ضمن استراتيجية يتم فيها الأخذ بعين الاعتبار عدة متغيرات منها:

  1. اختيار وتحديد الموضوعات ذات الأولوية في المشروع التنموي على المستوى الوطني.
  2. وضع معايير علمية ومنهجية أكثر دقة وصرامة لقبول مشاريع البحث ومتابعة إنجازها.
  3. الانفتاح أكثر على المؤسسات الاقتصادية، والبحث عن مصادر أخرى، غير تلك المقدمة من طرف الدولة لتمويل البحث.
  4. الاهتمام أكثر بدراسة المتغيرات الإقليمية، والدولية، وانعكاساتها على الوضع المجتمعي (الاقتصادي، والاجتماعي…)في الجزائر، ونخص بالذكر في هذا الإطار ظاهرة العولمة، الخوصصة، ثورة الاتصالات، والتقدم العلمي والتكنولوجي”(8)؛ لقد تفطنت الدولة الجزائرية إلى التغيرات التي حدثت بالعالم ومن حولها وبالتالي رأت بأن البحث العلمي لا يمكن أن يكون ناجعا إلاّ إذا أخذ في حسبانه المتغيرات الدولية، ولهذا ينبغي إيلاء أهمية لمشاريع على مشاريع بحثية أخرى، وكذلك ضرورة الدقة والوضوح في هذا الجانب، مع أن البحث العلمي يتماشى مع كل القطاعات الأخرى ويؤدي وظيفة مكملة لحل مختلف المشاكل التي تواجهها أنساق الدولة الجزائرية. فلقد صارت الجامعة الجزائرية تعقد عدة شراكات اقتصادية مع مؤسسات عملية، وبالتالي صارت الجامعة الجزائرية تخرج من النظريات إلى حدود التطبيق والإفادة الميدانية، وكذلك تحصيل الأموال لدعم الدولة من جهة، ودعم مشاريع أخرى إضافية.
البحث العلمي بالجزائر مقارنة بالدول العربية

أجرت الباحثة “موزة بنت محمد الربان” (رئيسة منظمة المجتمع العلمي العربي) دراسة حول البحث العلمي بالجزائر ومقارنته ببقية الدول العربية حيث جاء عنها:” وللمقارنة فقد نشرت دول مجلس التعاون الخليجي الست 51917 ورقة بحثية، أي ما نسبته 31,18 بالمئة من الإنتاج العربي لنفس الفترة؛ بينما نشرت مصر لوحدها 48042 ورقة وبنسبة 28,85 بالمئة، وباقي الدول العربية مثلت النسبة الباقية…سنركّز على البحث العلمي في الجزائر والذي يمثل 30,62 من إنتاج بلاد المغرب العربي و 9,33 بالمئة من الإنتاج العربي في هذه الفترة، لقد شهد البحث في الجزائر أسوة بمعظم الدول العربية زيادة ملحوظة في هذه السنوات العشر الأخيرة”(9)؛ يبدو من خلال الإحصائيات التي قامت بها الباحثة أن البحث في مصر هو الأعلى عربيا، ثم تليه دول الخليج، أما في الجزائر فإن البحث العلمي بها هو المتوسط مغاربيا، ولكن بنسبة ضعيفة إذا ما قورن بالدول العربية المشرقية، وحسب رأيي فإن ذلك يعود إلى التعلم والبحث باللغة الإنجليزية، لغة العلم والفنون، عكس الفرنسية التي تتعامل بها دول المغرب التي تتسم بالضعف علميا أمام الإنجليزية.

والرسم التوضيحي 01 يبين ذلك النمو البحثي الجزائري منذ 2003 تقريبا:(10)

 

تفسير المنحنى

يبدو حسب المنحنى أن الجزائر زاد نتاجها البحثي ابتداءا من 2003 أفضل مما سبق واستمرت الزيادة نحو الأعلى، ويرجع ذلك حسب اعتقادنا لكثرة عدد الباحثين وكذلك للطفرة التكنولوجية التي شهدها العالم وتشهدها الجزائر من خدمات للإنترنت، وكذلك للتربصات العلمية بالداخل والخارج ولكثرة الندوات والملتقيات ومشاريع البحث العلمية ولاستعمال المخابر لأحدث التكنولوجيات والوسائل.

وللمقارنة مع شقيقاتها من الدول المغاربية تونس والمغرب، فإن الشكل التوضيحي 02 يبين أنه ومنذ 2006 زاد الإنتاج الجزائري عن نظيره المغربي، ولكنه يقل عن الإنتاج التونسي:(11)

تفسير المنحنى

فمن خلال المنحنى يظهر أن الجزائر تفوق المغرب في الأوراق المنشورة ولكنها تقل عن تونس، حيث أن الجزائر تساوي أضعاف تونس مرات مساحة وشعبا، ولكن تونس فاقت الجزائر، ويرجع ذلك حسب اعتقادنا إلى جودة التعليم وتنظيمه في تونس من الاستقلال، وكذلك يرجع تفوق تونس إلى الاستقرار الذي عرفته المؤسسات عكس الجزائر التي مرّت بفترات عصيبة وفوضى وإفلاس مادي، ولكن بالرغم من كل هذا إلاّ أن الأوراق العلمية تزداد وتتهاطل بهمم وسواعد الباحثين المجدين والرجال الشرفاء من أبناء الوطن.

ثالثا: الآفاق والتطلعات والغايات:

وبعد هذه الإطلالة على البحث العلمي بالجزائر سنحاول الآن الحديث عن الآليات والغايات والآفاق التي ينبغي للدولة والباحثين الالتزام بها حتى تتحقق نهضة بحثية حقيقية تحقق نمو البلد ووضعه في مكانته الحقيقية.

تقترح الباحثة “نجاة عبو” مجموعة من المقترحات للنهوض بالبحث العلمي الأكاديمي في الجزائر، وهي:(12)

  1. على المؤسسات التعليمية إجراء مراجعة شاملة لواقعنا التعليمي والتربوي بدءا بالأسرة ثم المدرسة، ومن ثم الجامعات بكل ما تتضمنه من بنى تحتية وأساليب تربوية، وقوى عاملة لتحقيق أهداف الجامعة من إعداد الطلبة والبحث العلمي.
  2. على المؤسسات الحكومية ذات العلاقة رسم السياسات ووضع الخطط عبر هيئات استشارية علمية تخصيصية لتساهم في حل المشكلات التي تعاني منها البحوث العلمية الأكاديمية.
  3. زيادة نسبة المبالغ التمويلية الخاصة بالبحث العلمي؛ أن يجب على الدولة الجزائرية الاقتداء بالدول المتقدمة، وتخصيص أموال معتبرة للبحوث العلمية…

فحسب الباحثة فإن المشكلة في الجزائر حول البحث العلمي سببه عدم التخطيط الجيد والسياسة القاصرة ضمن هذا المجال، سواءا من حيث التمويل أم من حيث الخطط والبرامج والأهداف، فقد لاحظنا أن الخطط البحثية غير ثابتة وغير قارة، في كل مرّة يتم استحداث آليات جديدة تهدم الآليات الفتية التي سبقت والتي لم تأتي أكلها وغايتها، كما أن هناك فجوة كبيرة بين التعليم العام والتعليم الجامعي، ولهذا نلاحظ الكثير من الإضطرابات التي تصيب الطالب الجامعي بعد حصوله على الباكالوريا؛ حيث نلاحظ فشل أغلبهم لاختلاف أسلوب التعليم وجوهره بين الثانوية والجامعة.

لا يزال البحث العلمي بالجزائر يفتقر إلى العديد من الآليات والوسائل التي ما من شأنها النهوض به ودفعه لخدمة البلاد والمؤسسات، ويمكن تلخيص ما نتج عن الحراك العلمي البطيء السالف الذكر فيما يلي:(13)

  • ضعف وقلة الإنتاج العلمي من منشورات ومجلات ودراسات علمية.
  • قلة عدد براءات الاختراع المسجلة من طرف الباحثين لدى المعهد الوطني للملكية الصناعية.
  • ضعف علاقات التعاون بين قطاعي البحث والإنتاج.
  • غياب الهيئات المتخصصة في تثمين نتائج البحث والتطوير داخل مؤسسات البحث وكذلك تنشيط العلاقات بين البحث والتطوير والقطاع الاقتصادي.
الانتاج العلمي

 

فإذا ما قارنا عدد المجلات الجزائرية وبراءات الاختراع والأوراق العلمية بما يجري عند دول أوربا مثلا نلاحظ فرق كبير وفجوة كبيرة وكذلك نلاحظ بأن البحث عندنا لا ينتج الكثير بقدر ما هو نظري ومحصور في حدود الكتابة والتقنين، وكذلك نلاحظ بأن أطروحات الدكتوراه منجزة وموضوعة في رفوف الجامعة، بالرغم من بعدها الاقتصادي التطبيقي.

إن الجامعة الجزائرية ينبغي أن تأخذ أدوارا عدة حتى تكون في مستوى البحث العلمي وتطلعاته بتبنيها لمبادئ ستحقق قفزة نوعية وتتجاوز المشاكل المحلية لتصبح تنافس عالميا، فيجب إعطاء استقلالية حقيقية للجامعة لتساهم في تمويل نفسها، والانتقال للجامعة المنتجة وتشجيعها على إنشاء حاضنات الأعمال داخل الجامعة، وقد نجحت هذه التجربة في العديد من الدول وساهمت بالدفع بعجلة التنمية ومن بين الأمثلة نجد حاضنة UBC Research Enterprises  والتي تقع داخل جامعة Colombia University of british وأيضا جامعة Maryland university التي تمتلك لوحدها ثلاث حاضنات تكنولوجية توجد داخل الحرم الجامعي، وتظهر هذه الجامعة مدى ارتباطها وتشجيعها لإقامة شركات تكنولوجية في أنها تشارك في رأس مال الشركات التي تقام داخل هذه الحاضنات…فهذه الأفكار التي تتلاءم مع تطبيق الجودة الشاملة والجامعة الجزائرية في أمس الحاجة لتطبيقها، وهذا سيساعدها في معالجة الاختلالات التي تعاني منها اليوم، ومعالجة مشكل التمويل، وذلك بالاتجاه إلى تبني نموذج الجامعة الجزائرية المنتجة.(14) فالجامعة الجزائرية لا تزال تثقل كاهل ميزانية الدولة، وكان يمكن لها أن تأخذ عكس هذا الدور فتصير هي من تمول الدولة بحكم امتلاكها للطاقات والأفكار ومكان لمعالجة كل مناحي الحياة، حيث أن الجامعة الجزائرية لا تزال تحت سلطة القوانين والتوجيهات التي لا تسمح بفسح المجال أمام طروحات الباحثين ومشاريعهم الاقتصادية والتنموية.

الامكانيات الرقمية

لقد لوحظ على البحث العلمي بالجزائر نقص كبير في الإمكانات الرقمية التي تنعش البحث وتدعمه، حيث أن الباحثة “مهري سهيلة” ترى مجموعة من النقاط التي يجب إيلائها الأهمية حول الجانب الرقمي، ودوره في البحث نلخصها فيما يلي:(15)

  • ضرورة بناء قاعدة تحتية متينة على مستوى مكتباتنا الجامعية من أجل تأهيلها لاحتضان التكنولوجيا الرقمية.
  • توفير شبكة وطنية للمعلومات تربط مختلف الجامعات كبيئة ضرورية لإقامة أي مشاريع خاصة بالمكتبة الرقمية.
  • متابعة أحدث التقنيات في مجال المكتبات الرقمية وتفعيلها على مستوى المشاريع القائمة من حيث المعايير والبرمجيات.
  • تشجيع البحوث العلمية المنطلقة من بنيتها التحتية بما يخدم مجال المكتبات الرقمية.
  • ضرورة وضع سياسة وطنية للمعلومات ببلادنا، تتضمن رؤية واضحة بخصوص إنشاء وإقامة مشاريع مكتبات رقمية باعتبارها حتمية تكنولوجية معاصرة.

فنحن نلاحظ أن الكتب الالكترونية الحديثة وأطروحات الدكتوراه ورسائل الماجستير ونتائج المشاريع لا تتوفر بسهولة للباحث في أي مجال من المجالات، فلو تم التنسيق بين الجامعات وتوفير الوسائل والإمكانات البشرية لتم تحقيق شبكة متينة لتبادل المراجع والطروحات بين الجامعات وتوفيرها تحت يد الباحث ولتم تحقيق الكثير واختصار للجهد والوقت المبذول، فالمكتبات الالكترونية قليلة جدّا ببلادنا ولا تشجع على إثراء البحث وإنعاشه.

نقاط البحث العلمي و تطويره

يرى الباحثان “الطاهر هارون” و “فطيمة حفيظ” أن البحث العلمي وتطويره في الجزائر يتطلب الأخذ بعين الاعتبار مجموعة من النقاط نختصرها فيما يلي:(16)

  •  إعادة تنشيط المجلس الوطني للبحث العلمي والتقني بصفته الهيئة المكلفة بتحديد التوجهات الكبرى للبحث العلمي والتطوير التكنولوجي والتشجيع على إنشاء وحدات ومخابر للبحث في المؤسسات المنتجة عمومية أم خاصة.
  •  الدعوة إلى إنشاء مخابر وفرق بحث مختلطة مع القطاعات الأخرى للاقتصاد قصد تشجيع عملي تثمين نتائج البحث العلمي.
  •  تجهيز مراكز ومخابر البحث بالمعدات العلمية والتقنية المتخصصة وتشجيع العاملين في قطاع البحث والتطوير عن طريق منح الحوافز المالية.
  •  الإسراع في إصدار قانون خاص بالباحث، واتخاذ إجراءات تحفيزية ذات طابع مادي ومعنوي لتشجيع أساتذة التعليم العالي، إضافة إلى تحسين الظروف المهنية والاجتماعية للباحثين، وتقديم المساعدة المعنوية للباحثين من أجل نشر بحوثهم.
  •  وضع الإطار الملائم لمساعدة هيئات البحث والباحثين على إنشاء المؤسسات المبدعة، مع دعم الوكالة الوطنية لتثمين نتائج البحث وإصدار تشريعات حول الملكية الصناعية.

 

فحسبما نرى فإن البحث العلمي في الجزائر لا يزال تنقصه العديد من الإجراءات سواءا على صعيد الإمكانات البشرية أم المادية، وكذلك ضعف في الخطط والبرامج وعدم وجود للتنسيق وتثمين للنتائج المتحصل عليها من طرف الباحثين.

الخاتمة

لقد قامت الدولة الجزائرية منذ الاستقلال بمجهودات هائلة ضمن إطار البحث العلمي ومحاولة تطويره، فلاحظنا عدم وجود استراتيجية واضحة المعالم، وعدم وجود إرادة جادة وحقيقية للحاق بالأمم المتطورة، فجودة البحث تعني جودة الإنتاج، لكن الجزائر يلاحظ عليها أنها دولة مستهلكة أكثر منها دولة منتجة، وذلك راجع لضعف في تثمين نتائج البحث، وعدم وجود بحث حقيقي يحل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية.

 

بقلم الدكتور: لخذاري سعد، 

 أستاذ دائم بجامعة أكلي محند أولحاج بالبويرة

الهوامش

1-ماثيو جيدير، منهجية البحث، تر: ملكة أبيض، تنسيق: محمد عبد النبي السيد غانم، ص 15.

2-المرشد في إعداد البحوث والدراسات العلمية، إعداد مجموعة من الباحثين، مركز البحث العلمي والعلاقات الخارجية، ط1، السودان، 2001، ص 08.

3-مشحوق إبتسام، العلاقة بين إنشاء مخابر البحث العلمي وتطوير الإنتاج العلمي في الجزائر، رسالة ماجستير، جامعة قسنطينة، 2011/2012، ص 104.

4-حفحوف فتيحة، معوقات البحث الاجتماعي في الجامعة الجزائرية من وجهة نظر الأساتذة الجامعيين، رسالة ماجستير، جامعة سطيف، 2007/2008، ص 109.

5-المرجع نفسه، ص 112.

6-مشحوق إبتسام، العلاقة بين إنشاء مخابر البحث العلمي وتطوير الإنتاج العلمي بالجزائر، ص 108، 109.

7-المرجع نفسه، ص 112.

8-لحرش موسى، “ملاحظات حول البحث العلمي الجامعي في الجزائر”، قسم علم الاجتماع، جامعة باجي مختار، عنابة، ص 04.

9-موزة بنت محمد الربان، “البحث العلمي بالجزائر”، منظمة المجتمع العلمي العربي، الموقع الالكتروني: www.arsco.org، 9/أيار/2013.

10-المرجع نفسه.

11-المرجع نفسه.

12-نجاة عبو، “معوقات البحث العلمي الأكاديمي في الجامعات الجزائرية”، أعمال المؤتمر الدولي التاسع بالجزائر، 18، 19 أغسطس، 2015، ص 07.

13-صاطوري الجودي، “البحث العلمي في الجزائر: الواقع والتحديات”، جامعة تبسة، الجزائر، ص 04.

14-محمد السعيد بن غنيمة، أثر سياسات الإنفاق العام على قطاع التعليم العالي في الجزائر، رسالة ماجستير، جامعة تيزي وزو، 2014/2015، ص 190. (بتصرف)

15-مهري سهيلة، المكتبة الرقمية في الجزائر، رسالة ماجستير، جامعة قسنطينة، 2005/2006، ص 220، 221. (بتصرف)

16-الطاهر هارون، فطيمة حفيظ، “إشكالية الابتكار والبحث والتطوير في دول المغرب العربي”، جامعة بسكرة، 2005، ص 417. (بتصرف)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *